رحيل العاملات الأجنبيات.. هكذا يتحوّل نِعْمة

رحيل العاملات الأجنبيات.. هكذا يتحوّل نِعْمة



رحيل العاملات الأجنبيات.. هكذا يتحوّل نِعْمة


«الراي» رسمتْ «خريطةَ الطريق» مع المدرّبة على الحياة كريستين الصايغ

فَرَضَ «كورونا» واقعاً جديداً على البيوت وقَلَبَ نظامها رأساً على عقب.
والعائلات التي كانت معتادة على وجود مَن يساعدها في الأعمال المنزلية وجدتْ نفسها فجأة وبرحيل عدد كبير من الأجانب وعودتهم الى بلادهم، تتخبّط وحيدة في بحر من الواجبات البيتية التي نسيت كيف تواجهها.
رحيل عاملات الخدمة المنزلية شكّل صدمة حقيقية للكثير من العائلات وربات البيوت لكنها قد تكون صدمة إيجابية يمكن استغلالها لترسيخ نظام منزلي جديد أو التعامل معها بسلبية واعتبارها كارثة أغرقت البيت بالفوضى.

قبل بضعة عقود صار اللجوء الى خدمات عاملة منزلية أجنبية اتجاهاً سائداً في مجتمعاتنا سواء احتجنا جدياً الى خدماتها أو كان بالإمكان الاستغناء عنها. وبات وجودها جزءاً من حياتنا الأسرية ودورُها محوريّ في كثير من الأحيان سواء اعترفنا بذلك أم اخترنا التغاضي عن الواقع. وبنظرة اجتماعية مجردة نرى أن العاملة المنزلية أخذت أكثر من دور وسط الأسرة: فهي ليست فقط مَن يهتمّ بأعمال التنظيف بل تلعب دوراً في تلبية كل احتياجات أفراد الأسرة.
تهتمّ بالكبار في السن وتخدم المرضى منهم، تُجالِسُ الأطفال وتُلاعِبهم لا بل تشارك بتربيتهم في كثير من الأحيان، تهتم بالطهو وإعداد الطعام لأهل البيت، تنفّذ عن الجميع ما هو مطلوب منهم في الأساس، وتضع نفسها في خدمة الكل لتلبية متطلباتهم حتى لا يكلّف أحدهم نفسه عناء القيام بما يحتاج إليه.
لا شك في أن هذه الخدمات تتفاوت بين بيت وآخَر، ومن هنا اختلف تأثير رحيل العاملة المنزلية بين الأسر. فالمنازل التي كانت تعتمد عليها في غالبية ما ذُكر سابقاً وجدتْ نفسها أمام كارثة حقيقة يستحيل التعامل معها. أما الأُسَر التي كان يقتصر دورُ العاملة فيها على الأعمال المنزلية الصرف مثل التنظيف ومساعدة ربة البيت فقد استطاعت التكيّف مع واقعها الجديد رغم بعض العثرات. علماً أن التعميم غير ممكن، ووجود العاملة ضروري جداً في بعض الأحيان ولا سيما في ظل ظروف ضاغطة تستدعي اللجوء الى خدماتها مع غياب أي دعم خارجي للأسرة.

احذروا هذه المخاطر المعنوية داخل بيوتكم
كشف رحيل العاملات عن خلل كبير داخل بيوتنا لم نكن نشعر به.
وقد توجّهنا إلى كريستين الصايغ، وهي مدرّبة على الحياة وناشطة في الجمعيات المُناهِضة للعنف ضد المرأة، لنسألها عن مكامن الخلل الذي أحْدثه وجود عاملة أجنبية داخل الأسر وكيف يمكن أن يؤثر رحيلها المفاجئ على الأسرة، فوضعت لنا جدولاً بنقاط ملتبسة يثيرها وجود العاملة الدائم داخل البيت.

– التشجيع على العنصرية حيث أن غالبية العاملات هن من جنسيات محددة بحيث باتت الجنسية صفةً توسم بها العاملةُ وتحدّد دورَها في المجتمع وداخل الأسرة. وقد ساهم هذا الأمر في تربية جيلٍ يتميّز بالتفكير العنصري ولا يحترم الآخَر كندّ، له حقوقه الانسانية والقانونية الكاملة.
– تربية جيلٍ اتّكالي غير معتاد على المسؤولية، لا يحتاج لبذل أي جهد لتصل الأمور الى يده حيث هناك مَن يؤمّنها له بمجرد طلبها. وهذا أمرٌ في منتهى الخطورة لا يتنبّه له الأهل إلا لاحقاً حين يجدون أبناءهم غير معتادين على السعي والتعب من أجل الحصول على ما يريدونه و كأن الحياةَ ستوفّر لهم باستمرار مَن يخدمهم ويؤمن كافة متطلباتهم.
– عدم توزيع الواجبات بشكل متوازن داخل البيت بحيث يكون الثقلُ كله على العاملة المنزلية وعلى الأم في غالبية الأحيان، ما يولد لديهن شعوراً كبيراً بالغبن يمكن أن يتحوّل إلى غضب مكبوت أو عنف في بعض الأحيان قد يتفجر بأساليب مختلفة. كذلك يؤدي سوء توزيع الواجبات إلى رسْم أدوار نمطية للنساء والرجال، أي أن العاملة والأم تقومان بكل ما يتوجب عليهما فيما الأب والصبيان لا يتدخلون في شؤون البيت، وهذا ما يرسم صورة منحرفة عفا عنها الزمن و يلغي التعاون الضروري بين أفراد الأسرة.
– عدم اكتساب خبرات التنظيم والعمل التي يحتاج إليها أفراد الأسرة عموماً والأولاد خصوصاً في حياتهم لاحقاً. فقد لا يعي البعض أن جعل الطفل مثلاً يتعوّد على وضع ثيابه المتسخة في المكان المخصص لها بدل قيام العاملة بذلك يساعده فيما بعد على تنظيم أعماله المكتبية وملفاته وعلى النجاح في عمله، أو أن ترْكه يعتاد تحضير عشائه بنفسه يؤسس عنده للتحول الى شخص مستقلّ يجيد اتخاذ القرارات في حياته.
– تغيير القيم العائلية وقلْب موازينها بحيث لا تعود التراتبية في العائلة موجودةً مثل احترام الكبير في السن أو المريض وبذل الجهود من أجله، أو اهتمام كل فرد بالآخَر والسَهَر على راحته، واهتمام الأم والأب بصغارهما وقضاء وقت نوعي معهم لأن كل هذه الواجبات باتت منوطة بالخادمة وانتفى بذلك حس التضامن العائلي.
– تشجيع ربة البيت على الخمول وعدم الانتاجية وحضّها على ترك مقود السفينة الى شخص غريب يتولى الدفة فيما يتوجب عليها هي أن تكون الربان الذي يقود البيت الى برّ الأمان. فنجدها تمضي غالبية وقتها أمام شاشتها أو خارج البيت مع الأصدقاء أو في التسوق ما يؤسس لصورة غير سوية أمام الأبناء، ولا سيما البنات منهن اللواتي يرين في الأعمال المنزلية عملاً وضيعاً لا يستحقّ منهن الاهتمام، كما ترتسم في اذهانهن صورةٌ مشوَّهة عن دور المرأة المحوري في البيت وداخل الأسرة.
– عدم اكتساب اللياقات الضرورية في التعاطي بين أفراد الأسرة وعدم تعويد الأطفال على العادات الحسنة وإتيكيت التصرف منذ الصغر. فالعاملة المنزلية ليست مؤهَّلة لتلقين الصغار هذه الأمور مهما تكن خلفيتها الثقافية ولا سيما أن أصول التصرف تُكتسب من خلال مراقبة الصغار للأكبر منهم وتقليدهم إياهم، وعبر ترسيخ العادات الحسنة فيهم بشكل يومي لتصبح جزءاً من سلوكهم. وهذا أمر يفترض بالأهل توليه ليكونوا المعلم والمَثَل الصالح.
– أخيراً تشجيع الناحية العدائية عند كل فرد، ولا سيما الصغار، بحيث يسمح لنفسه بأن يمارس غضبه وفوقيته وأنانيّته على شخصٍ أضعف منه لا يملك القدرة القانونية أو المعنوية على المواجهة والوقوف في وجه هذه الاعتداءات النفسية وأحياناً الجسدية. وتتضاعف حدة هذا الخطر في حال عدم وعي الأهل لضرورة لجْم هذه التصرفات وعدم القبول بها تحت أي ظرف تجاه العاملة المنزلية.

كيف تستعيدون دفة الإدارة في منزلكم
بناءً على كل الأسباب السابقة يمكن القول إن وجود عاملة منزلية في البيت ليس بالضرورة نعمةً على أهله، وإن كان في بعض الأحيان ضرورياً ولا غنى عنه. ولذا إذا كنتم من الفئة التي اضطُرّت للاستغناء عن المُساعِدة المنزلية، أعيدوا النظر في النقاط السابقة لتدركوا ما المخاطر التي أَبْعَدْتُم أُسَرَكم عنها. أما كيف السبيل إلى التأقلم مع الواقع الجديد من دون عاملة منزلية، فالنقاط الآتية التي تقدمها المدرّبة على الحياة ترسم خريطة طريقٍ واضحة لاستعادة تَحَكُّمكم بمنزلكم وأطفالكم.
– اعتمِدوا وضْع برنامجِ عملٍ يومي لكافة الواجبات المنزلية كتابةً ووزِّعوا الأعمال على أفراد الأسرة بالتساوي، على أن تدير الأم الجوقة المستجدة فلا تتساهل أو تسعى للقيام بالواجبات عن الجميع بل تفرض على الكل دوراً معيناً عليه الالتزام به.
– دعوا الأولاد يشاركون في الأعمال والاهتمام بأغراضهم وغرفهم الخاصة، وليكن الأمر بدايةً كلعبة يُكافأون عليها ثم بعد ذلك يصبح لزاماً عليهم كالواجبات المدرسية عليهم الالتزام به من دون تَوَقُّعِ مكافآت.
– في حال كنتم مضطرين للاستعانة بخدمات شخصٍ مِن خارج الأسرة، مِن الأفضل اعتماد مبدأ العمل الحرّ على الساعة عبر مكاتب الخدمات المختصة ما يؤمن لكم المساعدة المطلوبة من دون التدخل في حياة الأسرة الحميمة.
– استثمِروا في الوسائل التقنية التي تساعد في تنفيذ الأعمال المنزلية من دون عناء يُذكر وزوِّدوا منزلكم بكل الأدوات و«الغادجيتس» الحديثة حتى البسيطة منها التي تساعد كلاً منكم بتنفيذ العمل المطلوب منه بسهولة ومهارة وسرعة مثل مماسح الأرض الذكية أو الطناجر التي تطهو الطعام من ألفه الى يائه بكبسةٍ واحدة.
– احرصوا على الترتيب والتنظيم، فهذا أمر أساسي في الحفاظ على منزل مرتّب والتخفيف من الفوضى داخل البيت. اعتمِدوا مبدأ «لكل غرض مكان وكل غرض في مكانه».
– ابتعِدوا عن الوسواس المبالَغ فيه، فبعض الأعمال اليومية التي كانت تُفرض على عاملة المنزل يمكن الاستغناء عنها بسهولة، فالنظافة لا تعني جهداً متواصلاً بل ترتكز أكثر على تنظيم العمل واعتماد أساليب عملية للحفاظ على البيت مرتّباً ونظيفاً.
أخيرا تأكّدوا أن غياب العاملة المنزلية، رغم كل المحبة والتقدير اللذين نكنّهما لها ولجهودها، يمكن أن يتحول الى نعمة تعيد اللحمة والتضامن بين أفراد العائلة وتوجِدُ جواً من المسؤولية بينهم وتُرْجِعُ دفةَ البيت إلى حيث يجب أن تكون، أي إلى ربة العائلة.

 

 

مستندات لها علاقة






Source link

اترك تعليقاً