العربية في حياتنا الثقافية

العربية في حياتنا الثقافية



العربية في حياتنا الثقافية


ضوء

من منا – نحن معشر القراء – في لساننا العربي المبين من لم يقف على شيء من لحن: من غلط نحوي في الاعراب، أو في فرع الاملاء، أو لعله في أسلوب التعبير والافصاح عمّا يُبتغى الخ… في مُصنف من مصنفات كُتابنا العرب، أو مقال من المقالات الصحافية عامة.
وكم من مسألة علمية أو أدبية، ران من فوقها الخطأ في اللغة، فكان حظها سوءاً في الفهم من عند القراء، على الرّغم من حرص كُتابنا على الاعراب عن حقيقتها، إلا أن الخطأ اللغوي قد وقف حائلاً دون أن يبلغ مقصده.
بل يزداد الأمر خطراً، حين لا يُعتنى بالسلامة اللغوية عند النهوض بجلائل الأعمال، كما هو الشأن في تحرير الموسوعات العلمية التي لا مراء أنها تستهدف التحقيق العلمي والدقة في الإبانة عن المقصود في المقام الأول، فيلفت انظارنا فيما تطويها صفحاتها تلك السقطات اللغوية مُتعددة المصدر، التي تفسد – في الحقيقة – كل ما يعد في اعداد هذه الموسوعات ونظائرها من جهد جهيد ومن وقت كذلك. والأمر عينه في القوانين التي تُصدرها السلطة المختصة بها، ما يثير كثيراً من المشكلات العلمية في ابان سير الخصومات القضائية، حتى إن أحكاما أصدرتها المحاكم العُليا – في البلاد العربية – عميت على المتقاضين، وكان السبب الرئيسي في خطئها، يعود إلى اضطراب السلامة اللغوية في نصوص التشريعات التي تعاملت معها تلك المحاكم.
وفي الحقيقة أنني أقصد من السلامة اللغوية في هذا الصدد: كل ما من شأنه أن يضبط النص المكتوب معنى ولفظاً، من دون أن يستثنى منها – بتةً – الاصابة في استخدام الضمائر، وأدوات الربط، واشارات الترقيم، بل والخطأ الطباعي الذي – مع كل أسف – لا يعيزه بعض الكتاب أو الصحافيين أهمية خاصة، والذي يقتضي من الكتاب الامعان في مراجعة تجارب الطبع، على النسخة الأصلية التي بخط يد الكاتب وتدقيقها سطراً بسطر. والذي وكلما ازدادت النصوص الأدبية – أي الثقافية – تعقيداً أو مست المكونات الأساسية في النظم المعرفية، احتيج إلى الضبط اللغوي – على النحو الذي وضحناه آنفاً – بما يتناسب وهذه المكانة، وتلك – لعمري – قاعدة مطردة لا يصح النزول عنها أو التسامح في أمرها بحال من الأحوال.
مما يدعونا – في هذا الموضوع – إلى الإهابة بنبذ القول الداعي إلى التسامح في اللغة، إذا أخذ بمعنى غض الطرف عن الخطأ اللغوي. وهو قول يتردد على ألسنة بعض الفقهاء المشايخ المعاصرين من – أهل الشرع – حين يقابلون بين التساهل في أقضية الدين، وبين التساهل والتسامح في قوانين اللغة، فيطرحون النوع الأول، ويجيزون الثاني، كأنما يفاوضون في السوق بين البيع والشراء، ألا بُهراً لها من فتيا!
وكذلك في ميدان الشعر فأراني لا أبالي بما يُسمى «الضرورة الشعرية» التي يتخذها بعض الأدباء مبرراً للاخلال بقواعد النحو، ولا اداجيهم على حساب تمحيص الحق من الباطل، فالحق أولى بالاتباع ولو دعا إلى اهماله تنميق القول وزخرفته شعراً أو نثراً على الاجمال.
وإن قيل في هذا الصدد: ان الشعر كله ضرورة كما قال: ابن عصفور، وانه يجوز للشاعر ما لا يجوز للناثر، كما قال غيره. قلت: مع التسليم بأن المقام عند الشاعر – في الدرجة الأولى – مقام عاطفة يُراد لها أن تتدفق، من دون أن تكون قواعد النحو سبباً في حجب تلك العواطف فإنني أؤكد أن الشعر تعبير مثلما هو عاطفة، ولو ارسلنا للعاطفة العنان في أن تفصح عن نفسها كيفما اتفق، لظهر التعبير في الشعر ممجوجاً ركيكاً، ذلك أن الغاية من نحو اللغة: ضبط التعبير واستقامته. ومن هنا أرى أن يخضع الشاعر لقواعد النحو، دون غيرها من قواعد علوم العربية، حتى لا نهدر الرأي الأول كلياً.
فالشعر جنس من أجناس اللغة: مثل فنون النثر أو القصة، وتظهر عبقرية الشاعر فيما يصوغه من قول رائع بديع يخلب المرء بلفظه ومعناه، دونما حاجة إلى انتهاك حرمات النحو من أجل اخراج القافية، أليس من الأجدر أن تتفجر قافية الشاعر وأحاسيسه من داخل حدود اللغة؟
ولم يقف التساهل في اللغة عند حد النحو وحسب، الذي يوصف – عادة – بالتعقيد، بل وصل الأمر إلى التساهل بالألفاظ ذاتها وأشكال التعبير المبنية على أساس من اللفظ، فبدأنا نشاهد ألفاظاً لم يعهدها العرب من قبل، وبعضها استعير من اللغات الأجنبية خاصة الانكليزية، مما حدا بعض من المعنيين باللغة والساهرين على حماها إلى وضع معاجم مُخصصة لبيان الخطأ في اللفظ وتدعيمها بالشواهد الدالة على ذلك، قاصدين من وراء هذا المحافظة على ألفاظ اللغة الأصيلة ونشرها تعميماً للفائدة.
وتكريساً لأهمية اللغة المكتوبة في حياتنا الثقافية، بخاصة في مجال النصوص الأدبية التي تتناول بعض القضايا الشائكة أو ذات التعقيد، أو النصوص المطولة بوجه عام، كما هي الحال في مقالات الفلاسفة التي يبحثون فيها – مثلاً – في نشأة العالم والهدف منها، وتاريخ البشرية فيما إذا كان يسعى إلى التقدم إذا نُظر إليه بأكمله، والقيم والأخلاق وعلام تقدم؟ وغيرها من الموضوعات. وكذلك الشأن في النصوص التاريخية التي تشتمل على أحداث تُثير الاختلاف أو الجدال بين الناس وغير ذلك.
هنا يبرز اتجاه معاصر في الفلسفة، يعرف بـ«الوضعية المنطقية LOGICAL POSITIVISM» حيث يرى أشياعه ومنهم:G.E.more الذي أكد أهمية تحليل اللغة من أجل ايضاح المشاكل الفلسفية واطراح الزائف منها، حتى إن الصعوبات والخلافات التي يزخر بها علم الأخلاق وسائر الدراسات الفلسفية، ترجع إلى محاولة الاجابة عن الأسئلة الموضوعية، دون أن يكشف – بدقة – ما هو السؤال الذي يراد الجواب عنه. وقال الفيلسوف ألفريد جوليز آير، إن الجملة يجب اخضاعها لمبدأ التحقيق، الذي من خلاله نتبين عن طريق التجربة المادية العينية صحة الجملة وبطلانها. فاذا ما أسفر مبدأ التحقيق هذا عن عدم امكان اخضاع الجملة له، كنا أمام جملة خاوية من المعنى تماماً، مهما صيغت من حولها من أقوال وعبارات مطولة وكثيرة.
وليس للمرء وراء الله مذهب.

مستندات لها علاقة






Source link

اترك تعليقاً