هكذا رحل الأثرياء وأنقذ الأفارقة فيلادلفيا من المرض

هكذا رحل الأثرياء وأنقذ الأفارقة فيلادلفيا من المرض


المصدر: العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان 

خلال صيف عام 1793، عانى الآلاف من سكان مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا من ويلات مرض الحمى الصفراء حيث اشتكى عدد كبير من أهالي العاصمة السابقة للولايات المتحدة الأميركية من أعراض تراوحت بين الحمى والقشعريرة والدوار والقيء وآلام البطن واليرقان. ومع تزايد عدد الوفيات أواخر شهر آب/أغسطس، عمد كثير من أثرياء فيلادلفيا وقادتها السياسيين للرحيل خوفا من العدوى. وفي المقابل، فضّل السود الأحرار البقاء بالمدينة واتجهوا للاعتناء بالمرضى.

رسم تخيلي يجسد تطور المرض و أعراضه على أحد المصابين بالحمى الصفراءرسم تخيلي يجسد تطور المرض و أعراضه على أحد المصابين بالحمى الصفراء

ومع انتشار المرض، احتار الجميع واتجهوا لتفسيره بطرق مختلفة، وبينما تحدّث البعض عن قدومه لفيلادلفيا بسبب لاجئين فرنسيين فرّوا على متن القوارب من مناطق سانت دومينيغو عقب ثورة للعبيد، ألقى آخرون باللوم، حسب نظرية الميازما، على الظروف الصحية السيئة والهواء الملوث المنتشر بفيلادلفيا.

وأملا في تجنّب انتقال العدوى إليهم، اتخذ الفيلادلفيون جملة من الإجراءات فلجؤوا لسياسة التباعد الاجتماعي وامتنعوا عن مصافحة بعضهم البعض وغطّى كثير منهم رؤوسهم بالمناديل والأوشحة.

لوحة تجسد القسيس أبسلوم جونزلوحة تجسد القسيس أبسلوم جونز

رحل الأثرياء

من جهة ثانية، لم يتردد عدد هام من الأثرياء والسياسيين في الرحيل عن فيلادلفيا حال تفشي المرض. وقد غادر الرئيس جورج واشنطن المدينة المريضة وعاد نحو مسقط رأسه بمونت فيرنون (Mount Vernon) بولاية فرجينيا كما عمد وزير الخارجية حينها توماس جيفرسون لفعل مماثل. وفي المقابل، أصيب وزير الخزانة الأميركية ألكسندر هاميلتون وزوجته بالمرض وقد اضطر الطرفان للابتعاد عن أبنائهما لفترة من الزمن وتمكنا من النجاة بفضل جهود الطبيب إدوارد ستيفنز (Edward Stevens).

لوحة تجسد الطبيب بنجامين راشلوحة تجسد الطبيب بنجامين راش

إلى ذلك، تحدّثت مصادر تلك الفترة عن مغادرة نحو 20 ألفا من الفيلادلفيين لمدينتهم خوفا من المرض ويعادل هذا الرقم حينها قرابة نصف سكان فيلادلفيا. وأثناء تلك الفترة، كان الأطباء أبرز الذين رحلوا عن فيلادلفيا حيث فضّل كثير منهم المغادرة خوفا من انتقال العدوى إليهم بسبب تعاملهم بشكل مباشر من المصابين.

صورة للوزير ألكسندر هاميلتونصورة للوزير ألكسندر هاميلتون

وفي الأثناء، فضّل عدد من الأطباء البقاء بفيلادلفيا ومقارعة المرض. ويذكر التاريخ اسم الطبيب المثيل للجدل بنجامين راش (Benjamin Rush) حيث لجأ الأخير لمعالجة مرضاه بطرق تقليدية تراوحت بين الفصد والإقياء. وبينما حبّذ البعض علاج بنجامين راش، أعجبت الأوساط الطبية بطريقة الطبيب ستيفنز لعلاج مصابي الحمى الصفراء فقد عمد الوزير هاميلتون للكتابة عن هذه الطريقة التي اقتصرت على احتساء نبيذ ماديرا (Madeira) وشراب البراندي والاستمتاع بالحمامات الباردة وتناول كميات كبيرة من الكينين (quinine).

صورة للقسيس ريتشارد ألانصورة للقسيس ريتشارد ألان

تخلوا عن ذويهم

وعلى حسب ما نقله الطبيب بنجامين راش، لم يتردد كثير من الفيلادلفيين في التخلي عن ذويهم حال ظهور أعراض المرض عليهم ولجؤوا إما لعزلهم داخل الغرف أو رميهم بالشوارع. من جهة ثانية، تحدّث راش من خلال رسالة لزوجته عن تواجد ذوي الأصول الإفريقية الأحرار داخل غرف المصابين حيث تطوع هؤلاء لمساعدة وتقديم الخدمات للمرضى كما وفّروا اليد العاملة الأساسية لتسيير شؤون فيلادلفيا التي فرّ قسم هام من سكانها. وعلى الرغم من توجهاته المناهضة للعبودية، آمن الطبيب راش، بشكل خاطئ، بفكرة امتلاك السود لمناعة ضد الحمى الصفراء فانتدب العديد منهم للعمل لصالحه والاعتناء بالمرضى.

صورة للرئيس جورج واشنطنصورة للرئيس جورج واشنطن

مع نهاية الأزمة، قدّر عدد الوفيات في صفوف الفيلادلفيين بنحو 5 آلاف نسمة وهو ما يعادل حوالي عشر سكان المدينة حينها. من جهة ثانية، اتهم الكاتب ماثيو كاري (Matthew Carey) في تقريره حول الحمى الصفراء ذوي الأصول الإفريقية باستغلال الموقف لصالحهم لجمع الثروة عن طريق نهب منازل وممتلكات المرضى. وكرد على ذلك، نشر القسيسان ذوي الأصول الإفريقية ريتشارد ألان (Richard Allen) وأبسالوم جونز (Absalom Jones) كتيبا نفيا من خلاله كل هذه التهم الموجهة للسود عن طريق شهادات قدّمها السكان البيض لفيلادلفيا.





Source link

اترك تعليقاً