بسبب وباء.. انهارت إحدى أعظم الإمبراطوريات

بسبب وباء.. انهارت إحدى أعظم الإمبراطوريات


قبيل ظهور وباء الطاعون الأسود منتصف القرن الرابع عشر، عاشت أوروبا بداية من القرن السادس على وقع ظهور وتفشي موجة طاعون لقّبت من قبل المؤرخين بطاعون جستنيان، نسبة للإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول (Justinian I)، وتسببت في سقوط عدد هائل من الضحايا. وقد سجّل طاعون جستنيان ظهوره في فترة حساسة من التاريخ الإنساني فأسفر عن تراجع عظمة الإمبراطورية البيزنطية وتقلص مساحتها الجغرافية.

من الصين انتشر

على حسب عدد من المؤرخين، ظهر هذا الوباء لأول مرة بكل من الصين والشمال الشرقي لبلاد الهند وانتشر منها عبر الطرق التجارية ليبلغ الساحل الشرقي للقارة الأفريقية ومناطق البحيرات العظمى الأفريقية. من جهة ثانية، تحدّث المؤرخ بروكوبيوس القيسراني (Procopius) عن انتشار المرض من أثيوبيا نحو ضفاف النيل بمصر وتفشيه بشكل سريع نحو الإسكندرية وفلسطين.

إلى ذلك، صنّفت شمال القارة الأفريقية كأهم مصدر حبوب بالنسبة للإمبراطورية البيزنطية حيث نقلت السفن سنويا كميات هائلة من هذه البضاعة، إضافة للعاج والعبيد والزيت، نحو القسطنطينية. من جهة ثانية، تواجد على متن هذه السفن ضيف غير مرغوب فيه لم يكن سوى الفئران التي نقلت على أجسامها البراغيث الحاملة للبكتيريا المسببة للطاعون. وبسبب هذه الفئران، انتشر الوباء بشكل سريع ليبلغ القسطنطينية ويتسبب في نتائج كارثية.

الفئران تتسبب في نتائج كارثية

أيضا، عاشت المنطقة خلال الفترة التي سبقت تفشي طاعون جستنيان عام 541 على وقع تقلبات وظروف مناخية سيئة حيث سجلت الثلوج والبرد حضورها لفترات متأخرة من السنة فأفسدت المحاصيل وتسببت في مواسم حصاد سيئة عجلت بظهور المجاعة بأرجاء الإمبراطورية البيزنطية.

فضلا عن ذلك، عاشت البلاد خلال عهد جستنيان الأول على وقع حروب متواصلة، ضد كل من الوندال والفرنجة والسلاف والقوط الشرقيين، سعت من خلالها لتوسيع رقعتها الجغرافية والحفاظ على عظمتها. وقد جاءت كل هذه العوامل لتساهم بشكل أكبر في تفشي الوباء وانتشاره نحو مختلف أرجاء الإمبراطورية البيزنطية.

طاعون جستنيان

وبناء على فحوص الحمض النووي التي أجريت على بقايا عدد من ضحايا تلك الفترة، كان طاعون جستنيان عبارة عن الطاعون الدبلي حيث أكدت جميع الأبحاث وقوف بكتيريا يرسينيا الطاعونية وراء موجة الوباء. كما قدّم المؤرخ بروكوبيوس وصفا لضحايا هذا المرض فتحدّث عن ظهور أعراض حمى شديدة وهذيان على المصابين وانتشار الدمل والتورمات على أجسادهم ووفاة العديد منهم خلال فترات وجيزة بعد معاناة شديدة.

ما بين 541 و542، خيّم الطاعون لأشهر على الإمبراطورية البيزنطية فامتلأت شوارع القسطنطينية بالجثث والمرضى الذين افترشوا الطريق وتحدثت مصادر عن أكثر من 5 آلاف حالة وفاة يومية بها. كما أصيب الإمبراطور جستنيان الأول بدوره بهذا الوباء وشفي منه بأعجوبة. وأملا في إنهاء المعاناة، أمر الإمبراطور جنوده بمساعدة الناس في دفن الجثث بحفر جماعية وعميقة خصصت للأمر. وأمام تواصل ارتفاع أعداد الضحايا، لجأت السلطات للتخلص من الجثث عن طريق القائها بالبحر.

الوباء يعاود ظهوره

طيلة القرنين التاليين، عاود هذا الوباء ظهوره لأكثر من مرة مخلفا مزيدا من الضحايا. وعلى حسب المؤرخين المعاصرين، فارق ما بين 25 و50 مليون شخص الحياة بسببه وهو الرقم الذي يعادل حوالي نصف سكان أوروبا عند ظهور الموجة الأولى من الوباء عام 541.

أسهم طاعون جستنيان في إضعاف الإمبراطورية البيزنطية بشكل واضح. فخلال العقود التالية، فقدت الإمبراطورية هيبتها ومكانتها بالمنطقة كما خسرت العديد من أراضيها بأوروبا وشمال أفريقيا لصالح القوط واللومبارديين والعرب فتقلصت مساحتها لتقتصر على أجزاء من الأناضول وبعض المناطق الإيطالية مطلع القرن الثامن.



Source link

اترك تعليقاً