هكذا ازدهر اقتصاد أميركا بعد الحرب العالمية الثانية

هكذا ازدهر اقتصاد أميركا بعد الحرب العالمية الثانية


المصدر: العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان

مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية صيف عام 1945، تخوّف جميع المسؤولين والخبراء من مستقبل قاتم ينتظر الاقتصاد الأميركي. وتوقّع كثيرون انهيار العديد من الشركات والبنوك وتراجعاً كبيراً في الناتج الداخلي الخام مقارنة بأواخر الثلاثينيات وارتفاعاً غير مسبوق في نسب البطالة تزامنا مع عودة الجنود من ساحات القتال.

أواخر عام 1940، لقّب الرئيس فرانكلن روزفلت الولايات المتحدة بترسانة الدول الديمقراطية ودعا كبرى مصانع البلاد لقبول التحدي لإنقاذ العالم من براثن قوى المحور. وعلى إثر ذلك، اتجهت كبرى مصانع السيارات الأميركية للتخلي عن بروتوكولاتها لتبدأ بدلاً من ذلك في صناعة الطائرات والدبابات والمحركات والذخيرة لدعم مجهودات الحرب. وفي أوج عطائها ما بين أواخر 1943 ومطلع 1944، بلغ الإنتاج الحربي الأميركي ذروته، حيث أنتجت هذه المصانع كميات أسلحة تجاوزت تلك التي أنتجتها مصانع حلفائها مجتمعة.

الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلتالرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت

صورة لأحد مصانع الدبابات الأميركية بالحرب العالمية الثانيةصورة لأحد مصانع الدبابات الأميركية بالحرب العالمية الثانية

وعلى الجبهة الداخلية، أسفرت عمليات التجنيد التي تلت هجوم بيرل هاربر يوم 7 كانون الأول/ديسمبر 1941 عن إفراغ المصانع الأميركية من العمال الذين التحقوا بالخدمة العسكرية لتلجأ بذلك هذه المصانع نحو استقطاب عمال جدد، خاصة من العنصر النسائي، لسد الفراغ ودعم المجهود الحربي للبلاد. وقد ساهم ذلك في تراجع مذهل لنسب البطالة. فأثناء فترة الكساد الكبير، بلغت نسبة البطالة بالولايات المتحدة 25%. وعام 1939 تراجعت هذه النسبة لتبلغ 14.6%. وبحلول عام 1944 انخفضت البطالة لمعدلات قياسية تقدر بنحو 1.2% فقط.

لكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان، اتجهت المصانع الأميركية للعودة نحو الإنتاج المدني عن طريق صناعة السيارات والثلاجات والغسالات وغيرها بدلاً من الدبابات والطائرات. وأضيف إلى ذلك عودة أعداد كبيرة من الأميركيين من الخدمة العسكرية واستعدادهم لدخول سوق العمل في وقت لم تكن فيه المصانع مستعدة لاستيعابهم.

صورة لأحد مصانع قاذفات القنابل بالحرب العالمية الثانيةصورة لأحد مصانع قاذفات القنابل بالحرب العالمية الثانية

صورة لأحد مصانع دبابات شيرمان بالحرب العالمية الثانيةصورة لأحد مصانع دبابات شيرمان بالحرب العالمية الثانية

أمام هذا الوضع، توقّع الخبراء الاقتصاديون الأميركيون ظهور أزمة بطالة غير مسبوقة مرفوقة بمعدلات تضخم قياسية. إلا أنه خلافاً لهذه النظرة التشاؤمية، حقق الاقتصاد الأميركي معجزة أثارت ذهول الجميع. فبدل التراجع والانهيار نما بشكل سريع وتمكنت المؤسسات الصناعية من استيعاب اليد العاملة الوفيرة بفضل نمط حياة الأميركيين ما بعد الحرب.

ففي خضم النزاع العالمي الذي التحقت به الولايات المتحدة أواخر عام 1941، اعتمدت البلاد سياسة الحصص، حيث خصصت أغلب السلع كالمحروقات والسكر والقهوة واللحم والزبدة والحليب لدعم المؤسسة العسكرية ليتراجع بذلك معدل الإنفاق بشكل واضح لدى الأميركيين. كما طلبت الإدارة الأميركية من المواطنين تحمّل الوضع وادخار المال لأوقات أفضل بالمستقبل.

صورة لجنود أميركيين عائدين لوطنهم في أغسطس 1945صورة لجنود أميركيين عائدين لوطنهم في أغسطس 1945

وأثناء سنوات الحرب، ارتفعت معدلات الادخار لدى الأميركيين حيث اتجه المواطن العادي حينها لادخار نحو 21% من مداخيله مقارنة بـ3% فقط أثناء فترة العشرينيات.

ومع استسلام اليابان ونهاية النزاع العالمي، فضل الأميركيون العودة للروتين السابق والتمتع بحياتهم، فاتجهوا لإنفاق المبالغ التي ادخروها على مدار سنوات لشراء العديد من وسائل الرفاهية والسلع كالثياب والأحذية والمعدات المنزلية والسيارات. ومع تزايد الطلب والإنفاق، عمدت المؤسسات الصناعية الأميركية لتلبية حاجيات السوق عن طريق زيادة الإنتاج واستقطاب مزيد من العمال.

إلى ذلك كان قطاع صناعة السيارات أكثر القطاعات ازدهاراً. فما بين 1945 و1955 تضاعف إنتاج السيارات بالبلاد 4 مرات، حيث امتلكت 75% من العائلات الأميركية سيارة واحدة على الأقل. وخلال عام 1965، عرف قطاع السيارات ذروته، حيث أنتجت الولايات المتحدة حينها ما يزيد عن 11 مليون سيارة وشاحنة وحافلة.

صورة لأحد مصانع السيارات الأميركية خلال الخمسينياتصورة لأحد مصانع السيارات الأميركية خلال الخمسينيات

من جهة ثانية، عرفت المؤسسات العقارية ومؤسسات البناء قفزة غير مسبوقة. فمع إقرار جملة من الامتيازات المالية للجنود المشاركين بالحرب العالمية الثانية، أقبل عدد كبير من الأميركيين على شراء الأراضي وبناء المنازل واتجهوا لاقتناء العديد من اللوازم المنزلية الفاخرة لتأثيثها. وبفضل ذلك حققت مؤسسات كفريجيدير (Frigidaire) أرباحاً خيالية بعد أن وسعت نشاطاتها.

وبفضل تزايد طلب المستهلكين بالسوق الداخلية والعالمية وازدهار إنتاج وتجارة الأسلحة بسبب الحرب الباردة، حققت الولايات المتحدة ما لم يكن في الحسبان. فقد نما الناتج القومي الإجمالي بشكل صاروخي ليبلغ 300 مليار دولار عام 1950 مقارنة بنحو 200 مليار دولار فقط عام 1940، لتتربع بذلك الولايات المتحدة خلال العقود التالية على عرش أغنى دولة بالعالم.





Source link

اترك تعليقاً