حفاضات ومصادر مياه.. رجل أنقذ لندن من الموت وكذبه الجميع

حفاضات ومصادر مياه.. رجل أنقذ لندن من الموت وكذبه الجميع


المصدر: العربية.نت – طه عبد الناصر رمضان

مطلع القرن التاسع عشر، صنّفت العاصمة البريطانية لندن كإحدى أكبر المدن بالعالم من حيث عدد السكان. وقد ترافق هذا النمو الديموغرافي مع عدد من المتاعب التي أرّقت المسؤولين البريطانيين. إذ شهدت لندن ارتفاعا ملحوظا في عدد الأحياء الشعبية ونسب الفقر تزامن مع غياب شبه تام لخدمات الصرف الصحي.

فبالعديد من أحياء لندن، افتقرت المنازل للمياه الصالحة للشراء والمراحيض وقد أجبر ذلك كثيرين على استخدام مضخات المياه العمومية والآبار للشرب والطبخ والاستحمام.

رسم ساخر يبرز أحد الأحياء الفقيرة بلندنرسم ساخر يبرز أحد الأحياء الفقيرة بلندن

من جهة ثانية، كان نظام الصرف الصحي بلندن بدائيا، وقد لجأ أغلب سكان العاصمة البريطانية لإلقاء المياه المستعملة والفضلات البشرية بالآبار المفتوحة وبنهر التايمز الذي لم تتردد بعض المؤسسات في تعليب مياهه بهدف بيعها للأهالي.

وأمام هذا الوضع الصحي السيئ، شهدت لندن خلال القرن التاسع عشر ظهور موجات عديدة لوباء الكوليرا الذي تسبب في وفاة عشرات آلاف الضحايا قبل أن يتمكن الطبيب المخضرم جون سنو (John Snow)، المولود يوم 15 آذار/مارس 1813 بمدينة يورك، من وضع لحد لهذا المرض.

رسم ساخر يبرز تلوث مياه التايمزرسم ساخر يبرز تلوث مياه التايمز

الهواء الفاسد

وخلال العام 1850، انتقل جون سنو للندن التي تفشت بها الكوليرا بين الفينة والأخرى حاصدة مزيدا من الأرواح. وأثناء تلك الفترة، فسّر الجميع المرض حسب نظرية الميازما التي ألقت باللوم على ما سمي بالهواء الفاسد الذي يظهر عند اختلاط الهواء النقي بالجزيئات والمادة المنبثقة من تحلل المواد العضوية لينشر أوبئة مميتة كالطاعون والكوليرا.

في مقابل ذلك، رفض جون سنو نظرية الميازما القديمة وآمن بدلا منها بنظرية جرثومية الأمراض مثيرا بذلك غضب وانتقاد العديد من أطباء لندن.

رسم ساخر يبرز انتشار الكوليرا بسبب مضخة مياه برود ستريترسم ساخر يبرز انتشار الكوليرا بسبب مضخة مياه برود ستريت

فعلى حسب سنو، تنتقل الكوليرا بسبب عنصر موجود بمصادر المياه الملوثة التي يعتمدها البشر. وأمام معارضة الجميع لفكرته، انتظر هذا الطبيب الإنجليزي عام 1854 ليثبت صحة ما توصل ويضع بذلك مسمارا في نعش نظرية الميازما التي هيمنت على الأوساط العلمية لمئات السنين.

جرثومية الأمراض

أواخر شهر آب/أغسطس 1854، ظهرت بمدينة لندن موجة كوليرا جديدة أدخلت الرعب في نفوس الجميع. وخلال هذه المرة، تركّزت النسبة الساحقة من حالات الوفيات بحي سوهو (Soho) بلندن.

رسم ساخر يبرز أحد المصابين بالكوليرا بلندنرسم ساخر يبرز أحد المصابين بالكوليرا بلندن

فيوم 3 أيلول/سبتمبر من نفس السنة، سجّل هذا الحي وفاة 127 من سكانه وبعدها بأربعة أيام ارتفع هذا الرقم ليبلغ 500 حالة وفاة. وأمام هذه الأرقام المفزعة، فضّل نصف سكان حي سوهو الرحيل نحو المناطق المجاورة أملا في النجاة من الموت.

إلى ذلك، تواجد جون سنو على مقربة من حي سوهو فاتجه على الفور لإجراء تحقيق حول أعداد الوفيات المرتفعة عن طريق جمع أقاويل وشهادات سكان هذا الحي حول مجريات حياتهم اليومية أملا في العثور على رابط بين الماء الملوث والكوليرا.

ومع فشله في العثور على مادة عضوية بالماء لدحض نظرية الميازما، حصل جون سنو على ما أراده عن طريق استجواب الأهالي حيث لاحظ أن أغلب عائلات الضحايا تواجدت بالقرب من مضخة مياه برود ستريت (Broad Street).

صورة للراهب هنري وايتهيدصورة للراهب هنري وايتهيد

كما تتبع سجلات بعض الضحايا الآخرين فلاحظ وجود 5 إصابات لدى أشخاص اعتادوا استخدام هذه المضخة إضافة لثلاث وفيات لدى أطفال تواجدت مدرستهم بالقرب من نفس المضخة. وأمام هذا الوضع، طالب جون سنو بوقف استخدام مضخة مياه برود ستريت وصنفها كمصدر للوباء. وبادئ الأمر رفضت السلطات المحلية تطبيق الأمر قبل أن ترضخ في النهاية لمطلبه تزامنا مع تزايد عدد الوفيات لتتراجع بذلك تدريجيا حدّة وباء الكوليرا.

عقاب إلهي

ودون قصد، ساهم الراهب هنري وايتهيد (Henry Whitehead) في إثبات هذه النظرية. فأثناء محاولته دحض ما جاء به جون سنو وتأكيد أن الكوليرا عقاب إلهي، سأل هذا الراهب امرأة تقيم بالمنطقة عن سبب مرض ابنها الرضيع فحدّثته عن قيامها يوميا بغسل حفاضات ابنها المتسخة بمياه بالوعة على مقربة من مضخة مياه برود ستريت لتساهم بذلك في تأكيد نظرية تلوث مياه هذه المضخة وتسببها في نقل العدوى.

صورة للعالم الألماني روبرت كوخصورة للعالم الألماني روبرت كوخ

وأمام هذا الوضع، تحرّكت صحف لندن ونشرت تقارير حوار هنري وايتهيد مع المرأة وطالبت سلطات المدينة بالتحرك لتنظيف البالوعات ومصادر المياه إلا أن المسؤولين تجاهلوا كل هذه التصريحات وجددوا رفضهم لفكرة جون سنو التي ربطت بين المياه الملوثة والكوليرا.

وقد انتظر العالم قدوم الطبيب والعالم الألماني روبرت كوخ (Robert Koch) للتأكد من صدق أقوال جون سنو والاعتراف بنظرية جرثومية المرض حيث تمكن هذا الرجل الألماني من إثبات وجود بكتيريا مسببة للكوليرا.

من جهة ثانية، لم يكن جون سنو حاضرا ليجني ثمار عمله و يحصل على رد للاعتبار حيث فارق هذا الطبيب الإنجليزي الحياة منذ عام 1858 وهو في الخامسة والأربعين من العمر.





Source link

اترك تعليقاً